حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

356

شاهنامه ( الشاهنامه )

شجرة الملك ولا يكون كثيرا الأكل ولا كثير الكلام . وينبغي أن يكون الأكل كل قليلا والجدّ كثيرا . فضحك رستم وقال : أبت الرجولية إلا ظهورا . وملأ جاما من الشراب فشربه ، وملأ جاما آخر ناوله بهمن فتوقف ولم يحسر على شربه . فأخذ زواره الجام من يده وشرب بعض ما فيه ثم ردّه اليه فشرب . وأخذ يقضى العجب من رستم وشربه وأكله وقدّه وشكله . ثم ركب رستم وبهمن يسيّران فأدّى اليه بهمن رسالة إسفنديار . جواب رستم على رسالة بهمن فامتلأ دماغه فكرا وأطرق ثم رفع رأسه وقال : أبلغ إسفنديار سلامي وخدمتي ، وقل له : إني كنت أتمنى على اللّه تعالى أن رأى وجهك ، وأجتمع بك ، وأشاهد هيبتك وأبهتك ، وأنادمك وأعاقرك . والآن فقد حقق اللّه تعالى هذه الأمنية . وأنا صائر إلى خدمتك ، ومستمع شفاها منك رسالة الملك كُشتاسب . وسأحمل معي عهود الملوك من عهد كيقباد إلى عهد كيخسرو حتى تنظر فيها ونظر فيها وتنظر في أمرى . فإن كان جزاء ما عاملت به الملوك من الأفعال الجميلة ، وما تحملته ولهم من الأعباء الثقيلة في الدولة القُباذية وما بعدها ، القيد والحبس فقيد رجلىّ ويدىّ بالحبال والأصفاد . وإن لم تبد منى جناية توجب ذلك فلا تقابلنى بكلام يوغر صدري ويوحش قلبي ، ولا تقل قولا لم يقله قط أحد ، ولا تتعن ّ بحبس الريح في القفص ، ولا تلج معي فان اللجاج دأبى وديدنى ، ولم ير أحد رجلي في القيد ، وفعل معي ما يليق فعله بالسلاطين ، وطهر قلبك بفضيلة الرجولية من دنس الداء الدفين ، واشرح صدرك ، واعبر الماء الينا . وكن ضيفنا حتى أصبر لك عبدا كما كنت لكيقباد من قبل . وإذا فعلت ذلك وأقمت في هذه البلاد شهرين تستريح فيهما أنت ومن معك فتحت لك أبواب الخزائن التي ملأتها بحدّ السيف ، وأبحتك إياها ، وإذا عزمت على الرجوع لم أفارقك وأسير في خدمة ركابك حتى نصير معا إلى حضرة الملك كشتاسب فأعتذر اليه ، وأستسل ّ ما في قلبه من سخيمة ، وأقبل رأسه ويده ورجله ، وأتلطف حتى يقبل معذرتي . ثم قال لبهمن : احفظ ما قلته لك ، وأدّه إلى إسفنديار . رجوع بهمن إلى إسفنديار فانصرف راجعا إلى أبيه . وبقي رستم في موضعه ، واستحضر أخاه زواره ، وولده فرامرز ، وأرسلهما إلى أبيه دستان ، وأمرهما أن يقولا له : إن إسفنديار قد وصل . فانصبوا له في الأواوين التخوت الذهبية ، وابسطوا المفارش الخسروانية ، وافعلوا ما فعلتم في ضيافة الملك كيكاوس بل أكثر وأحسن ، وأعدّوا الأطعمة . وهأنا ذاهب اليه داعيا له مستضيفا . فإن رأيتُ في رأسه خيرا لم أبخل عليه بشئ من الكنوز والذخائر والجواهر والخيل والأسلحة وان ردّنى ولم يجب دعوتي ما يكون يومى معه بالنير المضيء . ثم لا يخفى أن الغلبة لمن تكون . فقال له زواره : لا تشغل سرك